إعداد الحساب الخاص بك

يرجى الانتظار بينما نحن نعد الحساب الخاص بك

سجل للحصول على اخر اخبارنا

تصدع يهدد بانهيار «أسرة» كرة القدم العالمية بعد استقالة بلاتر

 

تحت شمسية عملاقة في الشرفة كان يجلس ميشيل بلاتيني، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “ويفا” يقوم بغمس بطاطس مقلية في وعاء صغير من الصلصة. في وقت سابق، طالب علنا بعد اجتماع طارئ لكبار مسؤولي كرة القدم بأن يستقيل بلاتر. قال: “بعدما حدث في الآونة الأخيرة، أعتقد أن السيل قد بلغ الزبى، ولن نقبل باستمرار هذا الوضع”.

رغم ولائه لبلاتر، يتجول الشيخ أحمد ليرحب ببلاتيني ورفاقه الذين يتناولون الطعام معه، سينيز إيرزيك من تركيا وماريوس ليفكاريتيز من قبرص. على مائدة كرة القدم العليا، تعتبر السياسة ذات أهمية قصوى.

لكن خلف تلك الابتسامات تكمن خطوط الصدع التي تهدد “فيفا”، آلة النقود التي تدير كرة القدم العالمية. على أحد الجوانب، هناك البلدان التي تسعى إلى الحفاظ على الوضع الراهن، وكثير منها في آسيا وإفريقيا والبحر الكاريبي. يعتقدون أن بإمكان بلاتر- الذي لم يتم اتهامه بارتكاب أي مخالفات – تجاوز الفضيحة الأخيرة، تماما كما تجاوز من قبل غيرها من الفضائح على مر السنين.

على الجانب الآخر يوجد الأوروبيون والأمريكيون، الذين يؤمنون بأن الفساد الذي ينتشر عبر “فيفا” يهدد صدقيته، والأكثر أهمية ربحيته المستقبلية. من لم يكونوا موجودين تحت ظلال شجرة الجنكة العملاقة في الفندق هم ربما أصحاب الأصوات الأكثر أهمية: الجهات الراعية وشركات البث التلفزيوني. أمثال شركة كوكا كولا، وأديداس، وماكدونالدز الذين قدموا مليارات الدولارات لكرة القدم وبعضهم الآن يبدي قلقه من أن استثماراته يتم تشويهها بسبب الادعاءات المتعلقة بالفساد.

زواج الكرة والتلفاز

قال بلاتر قبل التصويت الذي منحه فترة سادسة رئيسا لـ”فيفا”: “لولا كوكا كولا لما كنا موجودين اليوم هنا”. وأضاف قائلا إن ما حوَل “فيفا” إلى “نشاط تجاري وصناعي رئيس” هو “الزواج” الذي جمع كرة القدم مع التلفاز.

الآن، على الأقل، الوضع الراهن هو السائد، بعدما أعيد انتخاب بلاتر وخسر متحديه الأمير الأردني علي بن الحسين.

فندق بور أولاك، البالغ من العمر 171 عاما، الذي يعتبر من فنادق الخمس نجوم الفاخرة الواقعة بجانب البحيرة، معتاد على استضافة نجوم كرة القدم الكبار. شهدت ممراته عقودا من كسب التأييد لـ”فيفا” والسياسة. يقول بعضهم إن العروض المثيرة للجدل لكأس العالم لكل من روسيا وقطر تم التوصل إليها في أجنحته. في الأسبوع الماضي، اجتمع كبار مسؤولي “فيفا” هنا مرة أخرى قبل المؤتمر – ما يجعله المكان الأمثل لتشن السلطات المسؤولة غارتها فيه.

يوم الأربعاء في تمام الساعة السادسة صباحا، وصل ضباط شرطة سويسريون يرتدون ملابس مدنية عند مكتب الاستقبال وشرعوا في إلقاء القبض على سبعة من أهم شخصيات “فيفا”. بعد مضي نصف ساعة، وقف جيروم فالكه، السكرتير العام لـ”فيفا”، في بهو الفندق المبطن بالخشب، شاحب الوجه. أما الشخصيات البارزة الأخرى في “فيفا” فقد كانت تتوافد لتناول إفطارها غير مدركة لما حدث.

تم فصل الشخصيات السبعة من قبل الشرطة حتى لا يعود بمقدورهم التواطؤ، ثم أُخِذوا إلى مراكز احتجاز مختلفة في زيورخ. بعد ساعات من إقامتهم في ذلك الفندق الفخم ونومهم في أسرته ذات الحجم الكبير، وجدوا أنفسهم في زنزانة عادية. تحدث واحد من المستهدفين، جيفري ويب، نائب رئيس “فيفا” من جزر كايمان، مع وسائل الإعلام قبل يوم من الاعتقال فقط حول الشفافية في كرة القدم.

بينما كان يتم مرافقة الرجال إلى الحجز، كان يصل عشرات من الممثلين عن مكتب النائب العام والشرطة السويسرية إلى مقر “فيفا” في سني هيل، خارج زيورخ، لتنفيذ عملية داروين. تبعهم فريقان من مختصي الحاسوب. أمضوا طوال اليوم في المكاتب، وغادروا في وقت متأخر من المساء مع كمية كبيرة من بيانات الكمبيوتر.

كانت الأحداث صادمة لـ”فيفا” تماما. حتى الصحف السويسرية، التي تعتبر من أنصار “فيفا” الموثوقين في زيورخ، هاجمت بلاتر في صفحاتها الأولى.

بعد مضي ساعات فقط على هذه الاعتقالات، أعلنت لوريتا لينتش، وزيرة العدل الأمريكية، عن الاتهامات في مؤتمر صحافي مزدحم في بروكلين. قالت إن الفساد داخل “فيفا” كان “متفشيا وعلى مستوى المنظمة وعميق الجذور”. وأوضحت أن التحقيق في قضية الفساد في “فيفا” لا يزال في مراحله الأولى.

كانت التهم الموجهة ضد 14 من مسؤولي “فيفا” وتنفيذيي التسويق الرياضي تهما كاسحة: يدعي ممثلو النائب العام أنه عبر عقدين من الزمن تم دفع أكثر من 150 مليون دولار رشا إلى مسؤولي “فيفا” للتأثير على تسعة عقود تسويق رياضية، واختيار جنوب إفريقيا لتستضيف بطولة كأس العالم لعام 2010، والانتخابات الرئاسية لكرة القدم لعام 2011.

نقطة البداية

بدأ التحقيق في الولايات المتحدة في أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2010، عندما تلقى وكلاء مكتب التحقيقات الفيدرالي العاملون ضمن فريق عمل مشترك (أوروبي – آسيوي) حول الجريمة المنظمة يتخذ من نيويورك مقرا له، معلومات حولت اهتمامهم نحو “فيفا”. في وقت سابق من ذلك الشهر، أدلى مسؤولو “فيفا” بأصواتهم لمنح حق استضافة بطولة كأس العالم 2018 لروسيا وبطولة عام 2022 لقطر، وهما قراران تسببا في نشوب احتجاجات في جميع أنحاء العالم. أما الارتباط الدقيق، إن وجد، بين التصويت والدليل الذي أثار انتباه مكتب التحقيقات فلم يعرف بعد.

في السنة التالية، ركز المحققون الأمريكيون على تشاك بليزر، الأمين العام لـ”كونكاكاف” حتى عام 2011 وممثل الولايات المتحدة في مجلس “فيفا” حتى استقالته في عام 2013. تم نصب كمين من قبل ستيفن بيريمان، المحقق الذي يتمتع بخبرة تزيد على 25 عاما في وحدة التحقيق الجنائي لدى مصلحة ضريبة الدخل – ومن مشجعي كرة القدم المتعطشين. فتح بيريمان ملفا يتعلق ببليزر، الذي كان يعرف بأسلوب حياته المسرف الذي يتضمن وجود طائرته الخاصة وشقته في برج ترامب في نيويورك، التي كان يحتفظ بها إلى حد كبير من أجل قططه.

قال ريتشارد ويبر، رئيس شعبة التحقيق الجنائي لدى مصلحة ضريبة الدخل: “استنادا إلى فهمه لهذه الرياضة وخبراته وتجاربه، لديه (العميل) ما يكفي من الاشتباه المعقول الذي يبرر أن يدقق في شؤون بليزر”.

في البداية كان اهتمام مصلحة ضريبة الدخل هو ما إذا كان بليزر قد قدم إقرارات ضريبية دقيقة من عام 2005 إلى عام 2010 – لكن فيما بعد علم بيريمان عن تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي. انضم الفريقان، واحد منهما كان مقره في لوس أنجلوس والآخر في نيويورك، إلى ممثلي الادعاء في مكتب النائب العام في الولايات المتحدة في المقاطعة الشرقية من نيويورك. في ذلك الوقت، كانت لينتش هي النائب العام الأمريكي المشرف على تحقيق “فيفا”.

في مرحلة معينة، بدأ بليزر تعاونه مع السلطات الأمريكية، بحسب ما يقول أناس على دراية بهذا الموضوع. أما محاميه فلم يرد على مكالمة لطلب التعليق. تنحى بليزر من “فيفا” في عام 2013 وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام وقع إقرارا سريا اعترف فيه بأنه مذنب في عشر تهم جنائية – بما في ذلك التهرب من دفع الضرائب والابتزاز. وتمت مصادرة أكثر من 1.9 مليون دولار منه ووافق على دفع مبلغ آخر يتم تحديده عند الحكم عليه. كان الفريق الذي يضم مكتب التحقيقات الفيدرالي ومصلحة ضريبة الدخل يفوز أيضا بتعاون آخرين داخل “فيفا”: كذلك أقر بالذنب في ذلك العام كل من داريل وداريان وورنر، ابنا جاك وورنر، وهو نائب رئيس سابق لـ”فيفا” ورئيس سابق لـ”كونكاكاف”.

تحول حاسم

جاءت نقطة تحول حاسمة في عام 2014. في الأول من أيار (مايو)، شارك ويب، عضو اللجنة التنفيذية لـ”فيفا”، وأوجينو فيجيريدو، الذي كان في ذلك الحين رئيس المنظمة الحاكمة لكرة القدم في أمريكا الجنوبية، في مؤتمر صحافي في ميامي للإعلان عن بطولة كوبا أمريكا الخاصة للاحتفال بالذكرى المئوية لبطولة أمريكا الجنوبية لكرة القدم. تعهد فيجيريدو قائلا: “سوف نبني 100 عام من الخلود”.

بعد ذلك، أعد مكتب التحقيقات الفيدرالي سرا، تسجيلات لثلاثة مسؤولين في التسويق الرياضي يناقشون فيها رشا يُدَّعى أنها دُفِعت إلى مسؤولي “فيفا” من أجل الحقوق التجارية.

وفقا للائحة الاتهام، تم تسجيل صوت أليخاندرو بورزاكو، رئيس أعمال التسويق الرياضي الذي وجهت إليه فيما بعد اتهامات بالمشاركة في المخطط، وهو يقول: “الجميع يمكن أن يتأذى بسبب هذا الموضوع (…) كلنا سيكون مصيرنا السجن”.

عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الذين استمعوا للتسجيلات لم يستطيعوا تصديق آذانهم. لقد استطاعوا الإمساك بمحادثات أثناء وقوعها الفعلي تدور حول رشوة ضخمة تجري تماما على أرض الولايات المتحدة، ولهذا ارتباط مهم بتحقيقاتهم وجزء ثمين من الأدلة، بحسب ما قال أحد الأشخاص. قد يعيد هذا الحياة إلى قضية تبحث في رشا سابقة تستند إلى حد كبير على المخبرين وما تفيده الأوراق.

في المجموع النهائي، تم دفع 110 ملايين دولار من الرشا – تقريبا ثلث قيمة عقد كوبا أمريكا التجاري البالغ 352.5 مليون دولار- إلى مسؤولي “فيفا”، بحسب ما تدعي السلطات.

بعد مضي عام – وبعد أشهر من الجدال – كانت السلطات الأمريكية مستعدة لتوجيه ضربتها. وقررت أن مؤتمر “فيفا” في زيوريخ هو اللحظة المثالية لذلك.

في أعقاب تلك الاعتقالات، حذر بلاتر من أن هذا قد لا يكون النهاية. وقال أمام أعضاء الوفود في “فيفا”: “الأشهر القليلة المقبلة لن تكون سهلة. أنا واثق أن مزيدا من الأنباء السيئة يمكن أن يظهر”.

بعد خمس سنوات من التسجيلات السرية والتحقيق المالي الجنائي، يخشى بعض المسؤولين في “فيفا” أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لديه مواد كافية، والآن عدد كاف من الأشخاص قيد الاعتقال، على نحو يجعل من الممكن أن يبدأ بملاحقة هدف أكبر حتى من الأهداف السابقة؛ بلاتر شخصيا.

تعليقات

تعليقات

كن أول من يرسل تعليق on "تصدع يهدد بانهيار «أسرة» كرة القدم العالمية بعد استقالة بلاتر"

ارسل تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني


*